الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

100

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في بيان الأقوال في المسألة وهي عديدة منها القول بوضعها للصحيحة الجامعة لجميع الأجزاء المعتبرة وسائر شروط الصحة وإليه ذهب جماعة من الخاصة والعامة فمن الخاصة السيد والشيخ في ظاهر المحكي من كلامهما والعلامة في ظاهر موضع من النهاية والسيد عميد الدين في موضع من المنية والشهيدان في القواعد والمسالك واستثنى الأول منه الحج لوجوب المضي فيه ومن فضلاء العصر الشريف الأستاذ وعزاه إلى أكثر المحققين والفقيه الأستاذ دفع مقامه وغيرهما ومن العامة أبو الحسين البصري وعبد الجبار بن أحمد وحكي القول به عن الآمدي والحاجبي وغيرهما وحكاه الأسنوي عن الأكثرين وحكي في المحصول عن الأكثرين القول بحمل النفي الوارد على أسماء الشرعية كقوله لا صلاة إلا بطهور على نفي الحقيقة لأخبار صاحب الشريعة به وضعها القول بوضعها للمستجمعة لجميع الأجزاء المعتبرة فيها من غير اعتبار للشرائط في وضعها وهو محكي عن البعض وكان ملحوظ القائل به مراعاة دخول الأجزاء في الكل فلا يمكن الحكم بصدق الكل مع انتفاء شيء منها وأن الشرائط خارجة عن المشروط فلا وجه لأخذها فيها وإلا لكانت أجزاء وهذا خلف وستعرف وهنه ومنها أنها موضوعة بإزاء الأعم من الصحيحة والفاسدة من غير مراعاة لجميع الأجزاء والشرائط بل إنما يعتبر ما يحصل معه التسمية في عرف المتشرعة وإليه ذهب من الخاصة العلامة في غير موضع من النهاية وولده في الإيضاح والسيد عميد الدين في موضع من المنية والشهيد الثاني في التمهيد والروضة وشيخنا البهائي وجماعة من الفضلاء المعاصرين ومن العامة القاضي أبو بكر وأبو عبد الله البصري وغيرهم ثم إنه يمكن تقرير القول المذكور على وجوه أحدها أن يقال بوضعها لخصوص أجزاء مخصوصة من غير اعتبار وجود سائر الأجزاء معها ولا عدمها في التسمية فيقال الصلاة مثلا اسم لخصوص الأركان المخصوصة وسائر الأجزاء لا يعتبر وجودها في التسمية فإذا انتفي أحد الأركان انتفي التسمية بخلاف غيرها ويشكل حينئذ بأن سائر الأجزاء مما عدا الأركان تكون خارجة عن المسمى فتكون كالشرائط فلا يصح عدها أجزاء كيف ومن الواضح انتفاء الكل بانتفاء جزئه فكيف يلتزم في المقام بخلافه ويمكن الجواب بأن القدر الثابت هو كونها أجزاء في الجملة لا كونها أجزاء لمطلق الصلاة فنقول إنها أجزاء للصلاة الصحيحة ولا منافاة فإن كون الشيء جزءا للأخص لا يستلزم أن يكون جزءا للأعم ضرورة كون الناطق جزءا للإنسان دون الحيوان وفيه أنه مع عدم اعتبار تلك الأجزاء في مسمى مطلق الصلاة يكون استعمالها في المستجمع للأركان وغيرها كما هو الغالب مجازا لكونه استعمال اللفظ فيما وضع له إذ المفروض خروج الباقي عن الموضوع له وقد يجاب عن ذلك بأنه مع كون ما اندرج فيه ذلك أنواعا أو أصنافا لذلك الكلي لا يلزم أن يكون إطلاق الكلي عليه مجازا كما يشاهد ذلك في إطلاق كلي الحيوان على الإنسان وإطلاق الإنسان على الرومي والزنجي ويدفعه أن إطلاق الحيوان على الإنسان ونحوه إنما يكون حقيقة إذا أريد به معناه المطلق فيكون استعماله في المقيد من جهة حصول المطلق فيه ومع التنزل نقول به إذا استعمل في خصوص الحصة المقيدة بتلك الخصوصية وأما استعماله في مجموع الحيوان والناطق فلا ريب في كونه مجازا بل قد يشك في صحة استعمال الكلي فيه وقد يقطع بعدم جوازه كما إذا استعمل لفظ الجسم في مفهوم الجسم النامي الحساس الناطق فإن إرادة هذا المفهوم المركب منه غير صحيح ولو على سبيل المجاز والتزام التجوز في المقام مما لا وجه له كيف ويصح القول بكون القراءة جزءا من الصلاة كما هو ظاهر من ملاحظة الشرع بل الظاهر قضاء الضرورة به وكذا الحال في غيرها من أجزائها ولا يصح أن يقال إن الناطق جزء من الحيوان أو الحساس جزء من الجسم النامي أو الجسم المطلق وهكذا وهو ظاهر وأيضا فأجزاء الصلاة ونحوها أجزاء خارجية متباينة وليست من الأجزاء التحليلية المتحدة في المصداق فإطلاق اللفظ الموضوع لبعضها على الكل مجاز بل قد يكون غلطا وليس من قبيل إطلاق الجنس على النوع أو النوع على الصنف أو الفرد وثانيها أن يقال بكون جميع الأجزاء المفروضة للعبادة جزءا لمطلق تلك العبادة ولا يلزم من ذلك انتفاؤها بانتفاء كل منها إذ الأجزاء على قسمين منها ما يكون بقاء الكل وقوامه مرتبطة بها كالأعضاء الرئيسية ونحوها للإنسان ولا ريب حينئذ بانتفاء الكل مع انتفاء كل منها ومنها ما لا يكون كذلك كاليد والإصبع والظفر للإنسان لعدم انتفاء الكل بانتفائها وصدق الإنسان بعد قطع كل منها كصدقه قبلها فإن قلت بعد فرض شيء جزءا لشيء كيف يعقل وجود الكل حقيقة مع انتفائه إذ من الفطريات الحكم بانتفاء الكل بانتفاء الجزء قلت إنما يرد ذلك إذا قلنا بكون ذلك جزءا معتبرا في معنى اللفظ على كل حال وأما إذا قلنا بجزئيته حين حصوله دون عدمه فلا ويتصور ذلك بأن يقال بوضع اللفظ لما يقوم به الهيئة العرفية المخصوصة من تلك الأجزاء مثلا فإن قامت بعشرين منها مثلا كان ذلك كلا وإن قامت بعشرة منها كان ذلك كلا أيضا ولا ينتفي مسمى اللفظ مع انتفاء الباقي وإن انتفت الخصوصية السابقة إذ هي غير مأخوذة في معنى اللفظ وقد وقع نحو ذلك في كثير من الأوضاع فإن لفظ البيت إنما وضع لما قام به هيئته المخصوصة المعروفة في العادة وتلك الهيئة قد تقوم بجميع الأركان والجدران والروازن والأبواب والأخشاب وغيرها مما يندرج في اسم البيت مع وجوده وقد تقوم بمجرد الأركان وبعض الجدران وقد تقوم بذلك وببعض أخرى على اختلاف وجوده إلا أن وجوده الأركان ونحوها قد اعتبر في تحقق مفهومه لتقوم الهيئة بها لا بحيث لا حصول لها بدونها وأما البواقي فغير مأخوذة بالخصوص فإن حصلت كانت جزءا لقيام الهيئة بها حينئذ أيضا وإلا فلا واختلاف الهيئة مع زيادة ما تقوم به ونقصه لا توجب اختلاف المعنى فإن خصوصية شيء منها غير مأخوذة في الوضع وإنما اعتبرت على وجه يعم الجميع ونحوها الكلام في الأعلام الشخصية نظرا إلى عدم اختلاف التسمية مع اختلاف المسمى جدا فإن البدن المأخوذ في وضعها مختلف في نفسه جدا عن زمان الواضع إلى حين الشيخوخية مع قطع النظر عن ورود سائر الطواري عليه والتسمية على حالها من غير اختلاف وليس ذلك إلا أن يكون الوضع فيها على ما ذكرنا إذا تقرر ذلك فنقول إن الوضع في المقام كان على النحو المذكور فهناك أجزاء قد أخذت في تحقق المفهوم وبها قوامه فإذا انتفي شيء منها انتفي ذلك المفهوم بانتفائه وأجزاء ليست على تلك الصفة فهي أجزاء ما دامت موجودة وإذا انعدمت لا تنعدم الكل بانعدامها فالصّلاة